منافسة شرسة تلك التي تتعرض لها الصحافة الورقية اليوم من قبل الصحافة الإلكترونية، والتي استطاعت أن تحتل مكانة بارزة على سطح الإعلام العالمي، باعتبارها واحده من أهم وسائل الاتصال في العالم.
المعلوم أن الشبكة العنكبوتية العالمية "الإنترنت"، تعتمد منذ ظهورها على فنون الكتابة التي تستخدمها الصحافة الورقية كوسيلة لمزيد من التقارب والتلاقي مع هذا الجمهور المتعطش دائما، لسماع الأخبار والأنباء وقراءة الآراء والتحليلات والتعليقات ومشاهدة الغرائب والطرائف والمنوعات، بالإضافة إلى الاشتراك مع المجموعات والمنتديات، وهو الأمر الذي وفره "الإنترنت" بشكل غير مسبوق بحيث تفوق على الصحافة المطبوعة ونافسها في مواضع عديدة ...
ولعل هذا الزخم الكبير في أعداد وأشكال وأنواع المواقع الإلكترونية التي تطلق على نفسها مجازا "مواقع صحفية" هو ما دعا الزميل "عادل الأنصاري" رئيس تحرير وكالة شروق برس ، إلى محاولة الوقوف على ماهية هذه المواقع الإلكترونية الصحفية، والأسس والمعايير المهنية والتحريرية، التي ينبغي أن تتوافر في هذه المواقع الإلكترونية، حتى يصح أن تصنف نفسها باعتبارها مواقع صحفية إلكترونية، علاوة على التعريف بأدوات التحرير الصحفي الإلكتروني، التي ينبغي أن يحيط بها كل العاملين في مجال الصحافة الإلكترونية، ومهارات التحرير الصحفي الإلكتروني بوجه عام، وهو المجال الذي سبق به الكاتب غيره من الكتاب الآخرين الذين تعرضوا للصحافة الإلكترونية، بل وربما يكون هذا الكتاب هو الأول من نوعه في الشرق الأوسط، الذي يتناول كل ما يتعلق بالصحافة الإلكترونية وإشكالاتها المرتبطة بها بكثير من العملية والتطبيقية، بعيدا عن الحشو النظري والمنهجي الذي يعيب أغلب كتابات الكتاب في هذا الشأن الحيوي، الذي طالما شغل كثيرون دون محاولة جادة لرصده وتفنيده وتصنيفه كما فعل هذا الكتاب الرائع الذي بين أيدينا....
فصول الكتاب
يقع كتاب " فنون التحرير الصحفي على الإنترنت" في أربعة أبواب مقسمة على 152 صفحة أغلبها مصورة؛ حيث تعرض نماذج عملية تطبيقية لما يريد الكاتب إيضاحه وتفسيره في كل بند من البنود، التي تناولها الكتاب، وقد صدر هذا العام 2008 عن دار البشير للثقافة والعلوم ووكالة شروق برس للصحافة والإعلام، يتصدره مقدمة غير مطولة عن الشبكة العنكبوتية العالمية والدور الحيوي الذي باتت تلعبه اليوم في مجال الإعلام والاتصال وفي المجال الثقافي والمعرفي عموما، والميزة التي تتمتع بها الشبكة الإلكترونية عن غيرها من مختلف الوسائل الاتصالية الأخرى، من حيث سرعة وآنية توصيل الأخبار والأحداث المعلومات إلى مختلف دول العالم لحظة وقوع الحدث، وحرية استخدام الشبكة وتدشين مواقع جديدة عليها بعيدا عن سيف الرقابة وتعسف الأنظمة والحكومات، كما هو الحال في أغلب الأجهزة والوسائل الإعلامية الأخرى .
مواصفات الصحافة الإلكترونية
يستعرض الباب الأول من الكتاب مواصفات ومحددات الصحيفة الإلكترونية وأنواعها تبعا لعدة محاور كالمضمون والهيكلة والتكوين وشكل العرض والجمهور المستهدف والتمويل، وغيرها من المحاور الأخرى التي تصدى الكاتب لكل منها بشيء من التفصيل والتفسير والتوضيح مستعينا بالصور والرسومات التوضيحية، التي سبق وأشرنا إليها، ثم استعرض الكاتب ماهية الصحيفة الإلكترونية ومحدداتها والمحاذير التي يجب أن نأخذها في اعتبارنا قبل أن نفكر في وضع معايير الصحف الإلكترونية كالمحاذير التعريفية (من ضرورة تحديد ماهية الحدود والمجالات التي يمكن أن يشملها العمل الصحفي على الإنترنت، وأيضا ماهية الصحفي الإلكتروني، وهل كل من يعمل بموقع إلكتروني يصح أن نطلق عليه صحفيا إلكترونيا؟؟) بالإضافة إلى المحاذير المهنية والسياسية والواقعية - التي يفرضها الواقع بطبيعته المتغيرة والمتلاحقة، التي تتطلب ضرورة المواكبة الدائمة لهذا الواقع وعدم الانسلاخ عنه أو تجاهله بأي شكل بما يؤدي إلى إعراض جمهور الإنترنت عن هذه المواقع التي لا تستجيب لهذا الواقع ولا تلبي احتياجات قرائه-علاوة على استعراض أهم الضوابط والمعايير المهنية والفنية والمالية والقانونية، التي يجب أن تحكم عملية التحرير الصحفي الإلكتروني بما في ذلك ضرورة أن تتوافر الكفاءة والمهارة الصحفية لدى المشتغلين بالصحف الإلكترونية، وضرورة هيكلة الإدارات الصحفية الإلكترونية هيكلة مؤسسية بما يحقق لها السمة الصحفية التي تميزها عن مواقع الهواة أو المواقع الإعلانية والتجارية الأخرى، وأخيرا المعايير المالية والقانونية، التي تمكن الممارسين للعمل الصحفي في هذه المواقع الإلكترونية من أن يحفظوا حقوقهم المادية والقانونية لدى هذه المؤسسات والشركات الصحفية الإلكترونية.
خطوات لابد منها
أما الباب الثاني فيستعرض الخطوات العملية التي ينبغي إتباعها عند التفكير في تأسيس المواقع الإلكترونية، حيث يجب أن يتم تحديد الفكرة الأساسية للموقع وطبيعته والهدف الأساسي منه، ثم تحديد الجماهير المستهدفة للموقع والتي ينبني عليها تحديد الفنون الصحفية المستخدمة عند تحرير الأبواب الأساسية للموقع، وكذلك تحديد اللغة المناسبة لهذا النوع من الجمهور سواء أكان جمهورا عاما أو نوعيا أو متخصصا، ثم تحديد أبواب الموقع وتصنيفاته ومكوناته الأساسية، حيث المكون التعريفي الذي يستهدف تعريف الزوار بماهية الموقع وأهم القائمين علية، والمكونات التحريرية بأشكالها المعروفة (أخبار- تحقيقات- أحاديث- تقارير ،.....) والمكون التفاعلي الذي لا غنى عنه لأي موقع إلكتروني صحفي يسعي لتحقيق الجماهيرية والانتشار (كالحوارات الحية النصية والصوتية وساحات الحوار" المنتديات" واستطلاعات الرأي وغيرها) وأخيرا المكون الخدمي الذي يبحث عنه القراء دائما، باختلاف مشاربهم وميولهم وثقافاتهم، ومنها خدمات البحث والبحث المتقدم والمواقع المختارة، ونشرة الموقع ومواقيت الصلاة ومواعيد السفر والمناشط السياحية في البلدان المختلفة وغيرها. .
أدوات التحرير
أما الباب الثالث فيستعرض فيه الكاتب أدوات التحرير الصحفي الإلكتروني، وهي تلك الأدوات التي تختلف عن الأدوات المستخدمة في مجال التحرير الصحفي الورقي أو الطباعي، ومنها الروابط أو الإحالات التي يقوم مستخدمي الموقع الإلكتروني بالنقر عليها؛ لإحالته إلى المواقع أو الموضوعات الأخرى الشبيهة أو الوثيقة بها، وهو الأمر الذي تمتاز به المواقع الإلكترونية الصحفية عن الصحف والمجلات وغيرها، كذلك إمكانية استخدام الصوت مع الصورة وعدم الاكتفاء بالنص المكتوب فحسب، بما يحقق مزيدا من التفاعلية مع القراء وكذلك الإحالات إلى ساحات الحوار المختلفة، وكذلك خاصية الأرشفة واستدعاء المعلومات بسرعة ويسر عند الحاجة إليها عن طريق البحث في أرشيف الموقع (سواء البحث المبدئي أو البحث المتقدم) في أبواب الموقع عامة، أو في الأبواب المتخصصة فيها، كما تتميز المواقع الإلكترونية كذلك بإمكانية قياس الأثر الرجعي للمواد المنشورة أو ما يسمى بالـ" feed back " إما عن طريق سجلات الزائرين أو من خلال استطلاعات الرأي، التي تنقل ردود أفعال القراء حول موضوع أو قضية أو حدث معين، وقد تسهم ردود أفعال هؤلاء القراء في فتح آفاق جديدة من الأفكار الصحفية، التي يمكن أن يستعين بها محرري الموقع في تنفيذ موضوعات صحفية تلقى صدى واسع لدى القراء وأخيرا إمكانية تعديل أية أخطاء قد تقع عمدا أو سهوا من المحررين، وهو الأمر الذي يستحيل تحقيقه في الصحف الورقية التي تكون عملية الطباعة، هي المرحلة الأخيرة فيها والتي لا يمكن الرجعة بعدها أو تعديل أخطاء وردت بالنسخ المطبوعة ...
ثم يستعرض الفصل الثالث أهم المعايير التي تحكم اختيار وانتقاء الأفكار الصحفية المنشورة على شبكة الإنترنت، وأشكال العرض المختلفة التي تظهر بها المواد الصحفية على المواقع الإلكترونية ...
مهارات تحرير إلكترونية
أما الباب الرابع والأخير فهو يستعرض مهارات تفصيلية يمكن أن يستعين بها المحررين الصحفيين على شبكة الإنترنت بدءا من اختيار الفكرة الصحفية التي تلائم طبيعة الموقع وأهدافه وجمهوره مرورا بتعامل المحرر مع المواد الصحفية المختلفة، التي قام بجمعها وضرورة أن يمتلك المحرر لعدد من المهارات التقنية، التي تمكنه من إبراز وتفعيل هذه المواد الصحفية، ومن بين هذه المهارات- كما ورد بالكتاب- القدرة على التعامل مع كاميرات الديجيتال والقدرة على نقل اللقطات وإدخالها إلى جهاز الكمبيوتر، وإتقان بعض البرامج الإلكترونية الأساسية ومن أهمها "الوورد" و"الفوتوشوب" ، إضافة إلى إتقان التعامل مع البريد الإلكتروني والقدرة على إعادة الصياغة "الديسك" للمواد الصحفية المختلفة .
في النهاية ... الكتاب الذي بين أيدينا هو الأول من نوعه في مجال الكتابة الصحفية على الإنترنت، وهو إطار علمي عملي لكل الراغبين في تأسيس مواقع إلكترونية صحفية "احترافية"، وهو خلاصة تجربة عملية شخصية للكاتب الذي قضي سنوات طويلة في الكتابة والإدارة الصحفية الإلكترونية بما أكسبه الخبرة العميقة والرؤية الواضحة لمشكلات العمل الصحفي الإلكتروني الحالي والضوابط والمعايير الواجب توافرها؛ لإنجاح التجارب الصحفية الإلكترونية التي تطل برأسها يوميا دون أن يكتب لكثير منها النجاح والبقاء في الساحة الإلكترونية، وأمام القراء الذين يكتسبون خبرة يوما بعد يوم تؤهلهم للتمييز بين المواقع الصحفية الجيدة والمواقع الصحفية التي لا تستحق مجرد الزيارة !!
|